الشيخ محمد هادي معرفة

45

تلخيص التمهيد

قصَّة ورقة بن نوفل تلك كانت قصَّة البعثة ، وفق ما جاءت في أحاديث أهل البيت عليهم السلام ، وهم أدرى بما في البيت . وإليك الآن حديثاً آخر عن بعثة النبي محمّد صلى الله عليه وآله على ما جاءت في روايات غيرهم : روى البخاري ومسلم وابن هشام والطبري وأضرابهم : بينما كان النبي صلى الله عليه وآله مختلياً بنفسه في غار حراء إذ سمع هاتفاً يدعوه ، فأخذه الروع ورفع رأسه وإذا صورة رهيبة هي الَّتي تناديه ، فزاد به الفزع وأوقفه الرعب مكانه ، وجعل يصرف وجهه عمَّا يرى ، فإذا هو يراه في آفاق السماء جميعاً ويتقدَّم ويتأخَّر فلا تنصرف الصورة من كلِّ وجه يتَّجه إليه . وأقام على ذلك زمناً ، ذاهلًا عن نفسه ، وكاد أن يطرح بنفسه من حالق من جبل ، من شدّة ما ألمّ به من روعة المنظر الرهيب . وكانت خديجة قد بعثت أثناءه من يلتمس النبي صلى الله عليه وآله في الغار فلا يجده ، حتّى إذا انصرفت الصورة عاد هو راجعاً وقلبه مضطرب ممتلئاً رعباً وهلعاً ، حتّى دخل على خديجة وهو يرتعد فرقاً كأنَّ به الحمّى ، فنظر إلى زوجه نظرة العائذ المستنجد ، قائلًا : يا خديجة : مالي ؟ ! وحدَّثها بما رأى ، وأفضى إليها بمخاوفه أن تخدعه بصيرته . قال : لقد أشفقت على نفسي ، وما أراني إلا قد عرض لي « 1 » وقال : إنَّ الأبعد - يعني نفسه الكريمة - لكاهن أو مجنون ! . فرنت إليه زوجه الوفيَّة بنظرة الإشفاق ، وقالت : كلّا يا ابن عمّ ، أبشِر وأثبت ، واللَّه لا يخزيك أبداً ، فوالَّذي نفس خديجة بيده إنّي لأرجو أن تكون نبيَّ هذه الامَّة ، إنَّك لتصل الرحم ، وتصدق الحديث ، وتقري الضيف ، وتعين على النوائب ، وما أوتيت بفاحشة قطّ . وهكذا طمأنته بحديثها المرهف . ثمَّ قامت بتجربة ناجحة ، قالت : يا ابن عمّ ، أتستطيع أن تخبرني بصاحبك هذا الَّذي يأتيك ؟ قال : نعم . قالت : فإذا جاءك فأخبرني به . فجاءه الملَك كما كان يأتيه . فقال رسول اللَّه صلى الله عليه وآله : يا خديجة ، هذا هو قد جاءني . فقالت : نعم ، فقم يا ابن عمّ واجلس على فخذي

--> ( 1 ) قال ابن الأثير : أي أصابني مسّ من الجن .